>

أخر الاخبار

أسطورة عائشة قنديشة

أسطورة عائشة قنديشة

أسطورة ,عائشة, قنديشة


 وسط القبور في الليل هناك سيدة جميلة ترتدي ثوبا أبيض و تمشي تحت ضوء القمر، عيونها مرعبة و أرجلها أكثر رعبا، أشتهرت حكايتاتها وسط بلاد المغرب العربي، تعتبر  راسخة في مخيلة المواطن المغربي على أنها ليست مجرد أسطورة وخرافة وإنما حقيقة واقعية. فمعظم ضحاياها لم يسمع عنهم، والموضوع بات مرعبا بعد ذلك لدرجة أن الناس إمتنعت عن الخروج من بيتها لفترة من الزمن، أما زيارة القبور ليلا فقد كانت شيئا مثيرا للفزع وممنوع منعا كليا. فالخوف والهلع المربتطان بإسمها جعلا حكاياتها تصل إلى العالم الغربي، إذ تستطيع التشكل وتغيير  هيئتها على أكثر من شكل، فأحيانا تأخذ شكل سيدة شابة جميلة، وأحيانا عجوزا شمطاء.



عيشة أو عائشة قنديشة هي أحد الكائنات التابعة لمملكة الجن، إذ تعتبر أشهر شخصيات الجن الشعبية في الثرات المغربي وأكثرهم شهرة في منطقة المغرب العربي كله، تغنت بها الكثير من الأغاني الشعبية في الفلكلور الشعبي في بلاد المغرب، ويشاع عنها بأنه فقط لو نطقت إسمها المخيف فهذا سبب كافي لكي تصيبك لعنتها السوداء وتخيم عليك. يعتبر وصفها المشهور على أنها عجوز شمطاء ذات شعر أبيض مجعد و يملأ وجهها التجاعيد، ظهرها منحني وعيونها مخيفة، تقضي كامل وقتها في حبك الألاعيب من أجل تفريق الزوج وزوجته وإشعال المشاكل بينهم، و أحيانا تغير من شكلها لكي تصبح ككيان آخر يدعى "بغلة القبور"، وهي عبارة عن سيدة في غاية الجمال تقوم بإستدراج زوار المقابر من أجل أن يقتربو منها و ينصدمو بهيئتها المفزعة، ويكتشفو بأنها كانت تخبي تحت ملابسها رجلين يشبهان رجلي الماعز أو البغال.



لطالما كانت شخصية عيشة قنديشة ملهمة للكثير من الباحثين، والمهتمين بعالم الماورائيات، حتى أن عالِم الإنثربولوجيا الفنلندي ويسترمارك كان شغوفا بالحصول على أي معلومات عنها خلال دراسته لها، وتوصل إلى أن الموضوع أعمق من السطحية التي يتخليها البعض. يرى ويسترمارك بأن أصول هذه الشخصية ترجع لإستمرارية معتقدات تعبدية قديمة من الحضارة السومرية، وربط بين عائشة قنديشة وبين عيشطار آلهة الحب عند السومريين وشعوب البحر المتوسط والفينيقيين، وقد رأى أيضا بأن قصة عيشة قنديشة قد تكون مأخوذة من ملكة السماء  عند الساميين القدماء والذين كانو يرون بأن ملكة السماء هي كيان متسلط تسكن العيون والأنهار والبحار.



هناك فرضية أخرى شعبية منتشرة وسط الثرات المغربي وهي أن عيشة قنديشة هي شخصية مغربية عاشت في القرن 15 بالضبط في فترة الإحتلال البرتغالي للمغرب، تقول الحكاية بأن عائلتها بأكملها قتلت من طرف الجيش البرتغالي، لكنها هربت من المجزرة وعادت لاحقا من أجل الإنتقام، وحسب هذه الرواية فعائشة كانت سيدة من أصول أندلسية هربت من بلادها بعد السقوط وذهبت للمغرب وكانت تتمتع بملامح أوروبية مختلفة وجميلة، لكنها تحولت فيما بعد لإمرأة مكافحة إشتهرت فيما بعد بين الجنود البرتغاليين بلقب "الكونتيسا" أي الأميرة، ليتم تحويل اللقب بعدها إلى قنديشة. وبفضل ذكائها الشديد وفدائيتها في العمليات الجهادية ضد الجيش البرتغالي، ذاع صيتها وإكتسبت شهرة واسعة لدى المغاربة وشكلت رهبة كبيرة لدى البرتغاليين، لدرجة إعتقادهم بأنها ليست من البشر وإنما من الجن.



كانت عائشة تعمل على إستدراج الجنود البرتغاليين للمستنقعات والوديان لتقوم بقتلهم بعدها، كان عدد ضحاياها كبيرا جدا، وبسبب إرتباط المغرب كثيرا بالجن والسحر فقد ساهم هذا في إنتشار أسطورتها هناك لغاية الآن. وهناك قصة أخرى إنتشرت عنها في المغرب العربي كانت صادرة عن قبيلة من جهة سوس في المغرب حيث في ليلة من الليالي إجتمعت نساء القرية في وليمة بمناسبة إحتفال شعبي معين وكانت معهم سيدة غريبة لم يكن يعرفها أحد في المجمع، كانت هذه السيدة تصب تركيزها بالكامل على سيدة واحدة من سيدات القبيلة، حيت كانت توجه لها نظرات مريبة بين كل فترة، لدرجة أن الموضوع لفت إنتباه كل الحضور ، وبعد نهاية الحفل إجتمعت نساء القرية على عادتهم عند وجود ضيف في القرية وعرضو عليها إستضافتها للمبيت، لكن تلك السيدة الغريية كانت رافضة لكل العروض، إلى أن تقدمت لها السيدة التي كانت تستهدفها بنظراتها و قدمت لها عرض المبيت وهناك قررت السيدة الغريبة المبيت عندها. وبالفعل وصلو لبيت السيدة المستضيفة و قدمت لها بيت النوم وقفلت عليها الباب وإتجهت بسرعة إلى زوجها لتخبره عن تفاصيل تلك السيدة والنظرات التي كانت تنظر لها طوال الحفل والتي كانت مليئة بالحقد و الغل والكره، لكن زوجها لم يتقبل كلامها و طمأنها على أنها سيدة لطيفة هدفها المبيت وحسب، ليصدم الزوج في صباح اليوم الموالي بإختفاء تلك السيدة الغريبة من غرفتها وإختفاء زوجته معها، مع قطرات دماء تملئ البيت بأكمله، لتنتشر بعدها حكاية هذه السيدة المسكينة مع تلك السيدة الغريبة على أنها عائشة قنديشة التي إختطفتها وذبحتها.


من المعروف عن عائشة قنديشة بأنها تقطن في كهف مهجور لا أحد يعرف خباياه، وقد تعززت هذه الحكاية مع حكاية سائق الشاحن الذي إعترضت طريقه عجوز أثناء رحلته الليلية تطالبه بالوقوف، إذ وقف السائق بحسن النية ودعاها للصعود من أجل توصيلها،  الغريب أن تلك السيدة بدأت طوال الرحلة في التلعثم في الكلام وقول كلمات غريية لكن السائق لم يعطي الموضوع إهتماما كونها إمرأة عجوز، وقبل وصولهم طلبت من السائق التوقف في مكان يبدو غير صالح للوقوف ونزلت من الشاحنة برشاقة عالية غير معهودة على إمرأة في سنها حسب قول السائق مما أثار قلقه، وبقي بإنتظارها قليلا بعدما طلبت منه ذلك، لكن وبعد تأخرها قرر النزول من الشاحنة لإكتشاف المكان، ليجد نفسه أمام كهف غريب جدا مجهول المصدر والذي يعرف لحد الإن بكهف عيشة قنديشة.



ومن الحكايات التي تروى من طرف الأجداد في المغرب هي حكاية القطط السوداء ومدى إرتباطها بالفأل السيء والحظ العاثر وأيضا شخصية عائشة قنديشة، ففي عشرينيات القرن الماضي في أيام التسوق الأسبوعي، كان يخرج الرجال للأسواق تاركين زوجاتهم في البيوت، وفي أحد أيام الأسواق قرر أحد الرجال عدم الخروج للتسوق بسبب عدم توفره على المال، وطوال فترة جلوسه لاحظ تصرفات القطة السوداء الغريبة ومواءها المزعج، ليصرخ في وجهها بشكل مفاجئ، لتتحول القطة في الحال إلى إمرأة جميلة تحمل في يدها خيرا وفيرا من السوق، وكانت تلك السيدة هي عائشة قنديشة إذ طلبت منه الزواج بها وعدم الإفصاح لشخص آخر عنها وإلا سيكون مصيره القتل، ليوافق الرجل من شدة الخوف، ومع مرور الوقت حكى الرجل  لأصدقائه عن قصة القط الأسود، لكن بعد أيام قليلة سمع صراخ قوي من بيت الرجل ليجدوه بعدها غارقا في دمه بجانبه سكينا وقطة سوداء. إشتهرت هذه القصة بشكل كبير  جدا وسط المغاربة، لتصبح بعدها القطة السوداء مرتبطة بأسطورة عائشة قنديشة و محط شؤم للناس.


ترتبط أسطورة عيشة قنديشة أيضا ببعض الأساطير  الآخرين كأسطورة ذات الفم المشقوق أو النداهة وهي إمرأة تعتمد على الإغراء والإغواء من أجل القضاء على الضحايا الذين يكونون غالبا من الرجال. ومن الأشياء الغريبة هي ما حصل مع الباحث الفرنسي من أصل مغربي بول باكسون والذي كان ينوي عمل بحث عن شخصية قنديشة بالتفصيل، فبعد تقديمه مجموعة من الكتب والأبحاث في مجال الأساطير في المغرب، قرر بعدها التعمق في هذه الحكاية بالتحديد، لكن بعد فترة قرر حرق كل الأبحاث والدراسات التي جمعها، وهرب من المغرب على الفور

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -